الروماني 'مونجيو' يخطف السعفة الذهبية من 'كان' بفيلم يهزّ يقين أوروبا
بعد 20 عاما من التتويج الأوّل..
على نفس المنصّة وتحت الأضواء ذاتها، وقف المخرج الروماني 'كريستيان مونجيو' بعد أكثر من عشرين عاما من تتويجه الأول، ليرفع اسمه من جديد فوق الجميع، كأن الزمن لم يمرّ، وكأن السعفة الذهبية لا تختار إلا من يعرف كيف يهزم السينما والوقت معا.
ففي ليلة ختامية مشحونة بالتاريخ والرمزية، منحت لجنة تحكيم الدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي السعفة الذهبية لفيلم 'فيورد' للمخرج كريستيان مونجيو، في لحظة بدت أقرب إلى تتويج مسار كامل أكثر منها مجرد جائزة لفيلم جديد. وهاهو مونجيو، الذي دخل تاريخ المهرجان منذ 2007 بفيلمه الصادم ''أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان''، يعود اليوم إلى القمة ذاتها، لكن بعين أكثر قلقا، وبأسئلة أشد تعقيدا، وبفيلم يفتح جرحا جديدا في جسد أوروبا المعاصرة.
فيورد.. حين تتحول الدولة إلى خصم محتمل
يأخذنا الفيلم إلى عائلة إنجيلية متدينة تعيش في النرويج، أين تنفجر الأزمة بعد تدخل مؤسسات رعاية الطفل وسحب الأبناء من الأسرة بسبب شبهات عنف. لكن ما يبدو في ظاهره إجراء اجتماعيا، يتحول تدريجيا إلى مواجهة فلسفية مفتوحة بين مفهومين للحرية: حرية الدولة في الحماية، وحرية العائلة في الاختلاف. فمونجيو لا يكتب حكاية عن ''مذنب وضحية''، بل يزرع الكاميرا داخل منطقة رمادية، حيث يصبح الجميع على حق، والجميع أيضا مسؤولين عن الألم.

وقال المخرج عند تسلّمه السعفة إن فيلمه موجّه ضد كل أشكال الأصولية، سواء جاءت من الدين أو من الدولة أو حتى من المجتمعات التي تعتبر نفسها ''متقدمة'' أكثر من اللازم وفق رؤيته التي تعتبر الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القمع المباشر، بل في تلك القناعة الهادئة بأننا وصلنا إلى ''النموذج المثالي''، وأن الآخرين بحاجة فقط إلى الامتثال له.
ولم تكن هذه الدورة من مهرجان كان السينمائي مجرد احتفال بالسينما، بل مساحة صدام هادئ بين الفن والسياسة والذاكرة: أفلام تتحدث عن الحروب، عن روسيا وأوكرانيا، عن أوروبا المنقسمة، وعن السلطة حين تتخفى خلف لغة الأخلاق والرعاية. وفي الخلفية، ظل سؤال واحد يطغى على كل شيء: هل ما زالت السينما قادرة على قول الحقيقة، أم أنها أصبحت مرآة لقلق العالم فقط؟
ليلة تتويج.. قلق لا ينتهي
وبينما كان مونجيو يتسلم السعفة الذهبية الثانية في مسيرته، كان العالم السينمائي يدرك أن الجائزة لم تغلق نقاشا، بل فتحته من جديد. فـ''فيورد'' ليس فيلم نهاية، بل فيلم بداية لسؤال أكبر عن حدود السلطة، وحدود الرحمة، وحدود الإنسان نفسه. وفي كان، حيث التاريخ يُكتب كل عام على شاشة كبيرة، بدا أن الإجابة مازالت مؤجلة إلى فيلم قادم، أو إلى جائزة قادمة، أو إلى صمت لا يقلّ دلالة عن الكلام.
الواثق بالله شاكير